كنيسة القديس بولس الرسول بالعبور

ثلاثية عيد الغطاس

لقداسة البابا تواضروس الثانى

أهنئكم أيها الأحباء بعيد الغطاس المجيد، أحد الأعياد السيدية الكبرى، وهو العيد الذي يتوسط خمسة أعياد تأتي في فترة أربعين يومًا منذ ميلاد وتجسد ربنا يسوع المسيح. هذا العيد يأتي قبله عيدان: عيد الميلاد وعيد الختان، ويأتي بعده عيدان: عيد عرس قانا الجليل وعيد دخول السيد المسيح إلى الهيكل؛ وهذه الأعياد الخمسة في فترة أربعين يومًا تبدأ من عيد الميلاد. مشهد يوم عماد السيد المسيح مشهد هام جدًا في الكتاب المقدس وفي حياتنا. وأدعوك معي الآن أن تتجول بذهنك ونأتي لنقف للّحظة التي أتى فيها السيد المسيح وسط جموع أخرى أتت إلى يوحنا المعمدان عند نهر الأردن لكي ما تتجاوب هذا النداء الذي أطلقه يوحنا: «توبوا لأنه قد اقترب منكم ملكوت الله». إننا أمام ثلاث مفردات مهمة: السيد المسيح ويوحنا المعمدان والماء. أريد أن أحدثكم عن هذه الثلاثة.

قداسة البابا تواضروس الثانى

السيد المسيح:

عندما تجسد رأته لأمنا العذراء مريم ويوسف النجار. والرعاة والمجوس زاروه وهو طفل رضيع. وبعد ذلك قُدِّم للهيكل في اليوم الأربعين الذي هو عيد دخول المسيح الهيكل، ورآه بعض الكهنة. ثم جاء الهروب إلى مصر، وكثير من المصريين رأوه. وظهر في سن 12 سنة وسط المعلمين الكبار في الهيكل، وصار يجادلهم. وبقي في الناصرة من سن 12 إلى 30 سنة يعمل نجارًا، لأنه معروف عند اليهود أن من لم يتعلم حرفة يتعلم السرقة. وجاء العام الثلاثون في عمر الرب المتجسد، وهو سن النضج بحسب اليهود، وفيه هذه السن بدأ المسيح خدمته الجهارية بواقعة العماد المقدس. أتى السيد المسيح وسط الجموع، ولم يكن يوحنا يعرفه قبلًا. وحين وصل إليه المسيح انزعج يوحنا ورفض أن يعمّد الرب، فرد عليه السيد المسيح وقال له برقة بالغة: «اسمَحِ الآنَ، لأنَّهُ هكذا يَليقُ بنا أنْ نُكَمِّلَ كُلَّ برٍّ» (مت3: 15)، فقام يوحنا المعمدان بعماد السيد المسيح وحدثالظهور الإلهي "الثيئوفنيا". وهذا الظهور الإلهي حدث لكي يُعلّن لنا الله الواحد المثلث الأقانيم: الابن في الماء، وصوت الآب من السماء «هذا هو ابني الحَبيبُ الّذي بهِ سُرِرتُ»، والروح القدس في شكل حمامة يظهر ويستقر على الابن (مت3: 16، 17). ويظهر لنا إيماننا بوحدانية الثالوث حين نقول في بداية قانون الإيمان: "نؤمن بإله واحد..."، لكن هذا الواحد الذي نؤمن به هو «الله محبة»، محبته متدفقة لا تقف. وفي عيد الغطاس الآب المحب صار منه هذا الصوت «هذا هو ابني الحَبيبُ الّذي بهِ سُرِرتُ»، والابن المحبوب ربنا يسوع المسيح كان صاعدًا من الماء، والروح القدس في شكل حمامة. ونحن دومًا نمارس سر المعمودية في سن مبكرة جدًا، والطفل عمره أيام، نغطّسه في الماء ثلاث غطسات كما دُفِن المسيح ثلاثة أيام، ولذلك يقول الكتاب: «مَدفونينَ معهُ في المَعموديَّةِ، الّتي فيها أُقِمتُمْ أيضًا معهُ» (كو2: 12). المسيح دُفِن وقام بعد ثلاثة أيام، ونحن نجتاز هذه الخبرة من خلال المياه، مدفونين في مياه المعمودية. والمعمودية هي أول سر يناله الطفل بعد ميلاده، وهو بعد صغير جدًا، ويتعمد على إيمان والديه، ومثلما يرضعانه الغذاء واللبن، هكذا يغذونه بالإيمان، فيشبّ قويًا مكتوبًا اسمه في السموات، ويصير مولودًا من الماء ومن الروح. هذا هو الجزء الأول في المشهد.

يوحنا المعمدان

جاء ثمرة لصلوات كثيرة مرفوعة من زكريا الكاهن أبيه وأمه أليصابات، وفي الوقت المناسب جاءت إليه البشارة وأنجبت اليصابات ونزع الله عارها. ويوحنا المعمدان نسمّيه خاتم أنبياء العهد القديم. وُلِد قبل السيد المسيح بستة أشهر، وعاش في البرية ناسكًا متقشّفًا زاهدًا، ولذلك كانت هيئته مهيبة. وعندما نزل إلى ضواحي اليهودية لكي ما يكرز للناس بالتوبة وأن يعدّوا طريق الرب، كان يريد أن يوقظ ضمائر الناس، لأن الخطية تجعل الضمير نائمًا. وتعلمون أن نهاية يوحنا المعمدان أنه قُطِعت رأسه، وفضّل أن حياته تنتهي بلا رأس عن أن يحيا بلا ضمير، اختار أن ينال الاستشهاد لكن لا يبيع ضميره الحي. وكان في كرازته ينادي للبشر «توبوا، لأنَّهُ قد اقتَرَبَ ملكوتُ السماواتِ» أو ملكوت الله في شخص المسيح، فالمسيح اقترب مجيئه، إلى أن جاء المسيح وتعمد منه. يوحنا المعمدان هو الذي قال بعين النبوة عن شخص المسيح: «هوذا حَمَلُ اللهِ الّذي يَرفَعُ خَطيَّةَ العالَمِ!» (يو1: 29). "حَمَل" يعني ذبيحة، "الذي يرفع" وذلك بالصليب، "خطية العالم كله": فالسيد المسيح لم يأتِ لجنسية أو لشعب معين، ولكن جاء لكل العالم: «هكذا أحَبَّ اللهُ العالَمَ حتَّى بَذَلَ ابنَهُ الوَحيدَ، لكَيْ لا يَهلِكَ كُلُّ مَنْ يؤمِنُ بهِ، بل تكونُ لهُ الحياةُ الأبديَّةُ» (يو3: 16). يوحنا المعمدان نسميه أيضًا "السابق"، لأنه سبق المسيح بالزمن بستة أشهر. و"الصابغ" لأنه قام بعماد السيد المسيح. وأخيرًا "الشهيد" لأن حياته انتهت مستشهدًا ولم يرد أن يبيع ضميره وقبل الموت، وظل ضميره حيًا. وهكذا صار صوت يوحنا المعمدان هو صوت الحق.

الماء

الماء عنصر الحياة على الأرض، وأينما وُجِد الماء وُجِدت الحياة. كزكب الأرض 70% من مساحته هي ماء، وأنت أيها الإنسان 70% من وزنك هو مياه في الجسم، ولذلك الماء هو أغلى شيء لأن فيه حياة البشر. في بدء الخليقة فصل الله الماء عن الأرض، والماء له دور في تاريخ الخلاص في الطوفان وفي عبور بني إسرائيل البحر. والماء له تاريخ طويل جدا سواء في الهلاك أو في الشفاء. تذكروا معي أن السيد المسيح تقابل مع السامرية عند المياه، وشفى المريض الذي له 38 سنة عند بركة المياه، وانفتحت عينا المولود أعمى من خلال المياه. وفي الكنيسة توجد قداسات تقديس الماء، وفي كل القداسات نستخدم المياه سواء في تقديس الأسرار أو نرشه للبركة في ختام الصلوات. والماء علامة حياة فنحن نولد من الماء والروح. وهذه فرصة طيبة أن ألفت نظركم إلى قيمة الماء في حياتنا، نحن المصريين نعيش حول نهر النيل في حوالي 8% من مساحة البلاد لأننا نحيا حول النهر. وفي العهد القديم كان نهر النيل أحد آلهة قدماء المصريين وكانوا يعبدونه. ونهر النيل كما تعرفون ممتد لأكثر من أربعة آلاف كيلو متر، ويمر على عشر بلاد، مصر هي البلد الأخير في مجراه. ومع ازدياد عدد السكان بالنسبة لموارد المياه المتاحة، فلابد أن ننتبه إلى قيمة نقطة المياه. هناك حوالي مليار من البشر -كبار وصغار- لا يجدون مياهًا للشرب! ولذلك يا إخوتي الأحباء لابد أن نلتفت جدًا لقيمة المياه، ومَن يهدر المياه أو يسيء استخدامها فهذه تُعتبَر خطية. الأدوية التي تنقذ حياة الناس تُصنع من الماء، الماء للشرب، الماء للأكل، الماء للزرع، الماء للحياة... حينما تشرب ماءً ضع في الكوب على قدر ما تشرب فقط، وكذلك عندما تغسل أي شيء، فكّر كيف تقتصد في الماء. ونحن في عيد الغطاس نحتفل بتذكار ميلادنا في المعمودية، ويا ليت كل أسرة تذكر تاريخ معمودية أولادها وبناتها وتحتفل به كما تحتفل بعيد الميلاد الجسدي. لا نقول هذا لأن المعودية تذكار تاريخي، ولكن تذكار للتوبة ولنقاوة القلب، وأننا دُفِنّا مع المسيح وقمنا من بين الأموات. قديمًا في عيد الغطاس كانوا يخرجون من الكنيسة ويزورون نهر النيل، وكان البطريرك يأخذ من ماء اللقان وياقي منه في النيل لتقديس مائه، ونصلي طوال السنه: "اذكر يا رب مياه النهر باركها". نصلي لكي يحفظ مسيحنا بلادنا من كل شيء، كما نصلي من أجل كل المسئولين فيها، ومن أجل القيادة السياسية وكل من يحملون هم هذا الوطن، ونصلي أن يحفظ الله بلادنا من أي شر.

خريطة الوصول للكنيسة

فيديو تدشين الكنيسة

copyright www.stpaul-church.info ©